بقلم/ شريف الحلبي
مجدداً تخوض سرايا القدس جولة قتال مع العدو الصهيوني رداً على جريمة صهيونية مدوية هزت مشاعر الإنسانية عامة والفلسط ينيين خاصة، حيث اغتال العدو الشهيد/ محمد الناعم أحد مجاهدي السرايا شرق خانيونس ورفعوه عن الأرض التي عشقها واحتضنته حياً وشهيداً بعد أن غرسوا أسنان الجرافة في جسده الطاهر ومزقوه وسرقوه كما سرقوا الأرض من قبل.
إن ما يقوم به أبطال سرايا القدس في الميدان من واجب جهادي ورد على العدوان هو ترجمة عملية لنهج وخيار الجهاد الإسلامي في إبقاء جذوة الجهاد مشتعلة في فلسطين، وإن حاولوا بالحبر الذي كتبوا به "صفقة القرن" إطفاءه لينعم الصهاينة بالعيش فوق الأرض التي اغتصبوها فإن حرارة دم المجاهدين والشهداء تزيد مشروع الجهاد اشتعالاً لمنع استقرار "إسرائيل"، إن تعقيدات المشهد السياسي الحالي محلياً وإقليمياً ودولياً تجعل من هذا الرد العسكري المتواضع عملاً بطولياً كبيراً، فمجرد اتخاذ قرار بالرد بحد ذاته هو دليل قوة موقف وشجاعة قيادة واستعداد للتضحية وتقديم للواجب على الإمكان، وهو عنوان مهم للمرحلة القادمة التي تسعى فيها قوى الاستكبار الصهيوأمريكية وبمساعدة المتخاذلين من العرب ترويض المنطقة دولاً وشعوباً ومكونات وحركات، وبث حالة من اليأس والإحباط والقبول بالأمر الواقع باستخدام العصا تارةً، وتقديم الجزرة تارةً أخرى لفرض صفقة القرن بهدوء ودون دفع الثمن، إن البعض من الحاقدين والمنبطحين والمتآمرين يحاول أن يقلل من أهمية وقيمة وحجم الرد على الاعتداءات الصهيونية، والبعض الآخر من المحبين للمقاومة وللجهاد الإسلامي يحمل وجهة نظر أخرى حول نوعية ومكان الرد، وإن كنت لا أخفي ميلي للاتجاه الثاني إلا أنني أنحني إجلالاً وإكباراً لهذا الفعل البطولي الذي له دلالات عميقة وتأثيرات بعيدة المدى قد لا نشعر بثمارها المباشرة، فاستنزاف العدو ومنع استقراره وتقديم شاهد ودليل من دمنا لشعوب أمتنا العربية والإسلامية بأن العدو الصهيوني مجرم لا يجوز التطبيع والمصالحة معه، والتأكيد بكل وسيلة على إصرارنا على مواصلة طريق المقاومة دون كلل ولا ملل ولا تراجع لتحرير أرضنا ومقدساتنا، كل ذلك هو جزء من الدلالات العميقة لفعل الجهاد الإسلامي، ولمن ينسى أُذكِّر بأن صراعنا هو صراع إرادات، ومتى تفوقت إرادة العدو بردعنا ووضعنا في مربع حساب موازين القوى والربح والخسارة المترتب على الرد فهذه هزيمة نفسية قاسية يتبعها تراجع وانكسار عسكري وسياسي، كما أن جملة "سنرد في الوقت والمكان المناسب" يمكن أن تصلح لمكان وظروف وحسابات مختلفة عن حسابات ومهمة المجاهدين والمقاومين في فلسطين اليوم. قد يقول قائل بأنني وأمثالي ممن يطرحون هذه الرؤية والقراءة غير واقعيون ومنفصلون عن سياق تطورات المنطقة ومعادلاتها، وأنا أقول لهم إذا كانت الواقعية تتمثل بالخيار الآخر وهو المرونة والتعاطي مع المتغيرات فليكن لنا ممن أقاموا مشروع السلام عظة وعبرة، السلام الذي صفق لصانعوه العالم، وعُقدت لأجله مئات الجلسات والحوارات والمباحثات، وطافت أقاصي العالم عشرات الوفود لتحقيقه، ماذا حصدوا؟! إذا كانت هذه هي الواقعية فلتذهب واقعيتهم إلى الجحيم، لأنها لم تعيد حقاً ولم تبني وطناً وأظهرت ضعفاً وانكساراً وشجعت بعض الأنظمة العربية والإسلامية وجزء من شعوبها على التطبيع مع العدو، فواقعيتهم خيبة وخسارة وليس لها أفق ولا مستقبل، أما الواقعية الحقيقية التي يمارسها الجهاد الإسلامي فهي التي تنسجم مع الفطرة الإنسانية، وتنسجم مع حركة التاريخ ومع السياق العقائدي لهذه الأمة ومهما بلغ حجم التضحيات والتحديات والمخاطر والتهديدات حتماً المستقبل لأهل هذه الواقعية في الدنيا والعاقبة لهم في الآخرة إن شاء الله.

